ابن الأثير
461
أسد الغابة ( دار الفكر )
رجال من قريش ، وكان الطفيل شريفا شاعرا لبيبا ، فقالوا : يا طفيل ، إنك قدمت بلادنا ، وهذا الرجل بين أظهرنا ، قد عضل [ ( 1 ) ] بنا وفرّق جماعتنا ، وإنما قوله كالسحر ، يفرّق بين الرجل وبين أبيه ، وبين الرجل وبين أخيه ، وبينه وبين زوجه ، وإنما نخشى عليك وعلى قومك ، فلا تكلمه ولا تسمع منه . قال : فو اللَّه ما زالوا بي حتى أجمعت أن لا أسمع منه شيئا ولا أكلمه ، حتى حشوت أذنيّ كرسفا [ ( 2 ) ] ، فرقا أن يبلغني من قوله ، وأنا أريد أن لا أسمعه . قال : فغدوت إلى المسجد فإذا رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم قائم يصلّى عند الكعبة ، قال : فقمت قريبا منه ، فأبى اللَّه إلا أن يسمعني قوله ، فسمعت كلاما حسنا ، قال : فقلت في نفسي : واثكل أمّى ! واللَّه إني لرجل شاعر لبيب ما يخفى على الحسن من القبيح ، فما يمنعني أن أسمع هذا الرجل ما يقول ! إن كان الّذي يأتي به حسنا قبلته ، وإن كان قبيحا تركته . قال : فمكثت حتى انصرف رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم إلى بيته ، فتبعته ، حتى إذا دخل بيته دخلت عليه ، فقلت : يا محمد ، إن قومك قالوا لي كذا وكذا ، ثم إن اللَّه أبى إلا أن أسمع قولك ، فسمعت قولا حسنا ، فاعرض عليّ أمرك . قال : فعرض على الإسلام ، وتلا على القرآن ، قال : فو اللَّه ما سمعت قولا قطّ ، أحسن منه ، ولا أمرا أعدل منه ، فأسلمت ، وقلت : يا رسول اللَّه ، إني امرؤ مطاع في قومي ، وأنا راجع إليهم وداعيهم إلى الإسلام ، فادع اللَّه أن يجعل لي آية ، تكون لي عونا عليهم فيما أدعوهم إليه . فقال : اللَّهمّ ، اجعل له آية . قال : فخرجت إلى قومي حتى إذا كنت بثنيّة تطلعني على الحاضر [ ( 3 ) ] ، وقع نور بين عيني مثل المصباح ، قال : فقلت : اللَّهمّ ، في غير وجهي ، فإنّي أخشى أن يظنوا أنها مثلة لفراقى دينهم . فتحولت في رأس سوطي ، فجعل الحاضر يتراءون ذلك النور في سوطي كالقنديل المعلق ، وأنا أهبط إليهم من الثنية ، فلما نزلت أتاني أبى ، وكان شيخا كبيرا ، فقلت : إليك عنى أبه ، فلست منك ولست منى . قال : ولم ، أي بنىّ ؟ قلت : إني أسلمت . قال : أي بنى ، فديني
--> [ ( 1 ) ] يقال : عضل بي الأمر وأعضل بي : اشتد وغلظ . وفي سيرة ابن هشام 1 / 382 : أعضل بنا . [ ( 2 ) ] الكرسف : القطن . [ ( 3 ) ] في الاستيعاب 760 : فخرجت حتى أشرفت على ثنية أهلي التي تهبطنى على حاضر دوس .